القائمة الرئيسية

الصفحات

لوحة العشاء الأخير | ليوناردو دافنشي

لوحة العشاء الأخير | ليوناردو دافنشي

 الفنان : ليوناردو دافنشي 

تاريخ الإنشاء : ١٤٩٥ _ ١٤٩٨

الموقع حاليا : كنيسة سانت ماريا ديلا غارسيا_ميلان_ايطاليا

أبعاد اللوحة : ٨٨٠ سم العرض _ ٤٦٠ سم الارتفاع


في الواقع لم يكن ليوناردو دافنشي الرسام الإيطالي الشهير اول من رسم لوحة تجسد العشاء الأخير للسيد المسيح ، فقد كانت قاعات الطعام في الأديرة و الكنائس خلال القرن ال ١٥ ميلاديا تزين عادة بلوحتين صلب المسيح و العشاء الأخير . بحيث يبدوا للرهبان انهم يتناولوا وجباتهم في حضرة يسوع الأخيرة، و قبل أن نسترسل الحديث عن تحفة دافنشي في عصر النهضة " العشاءالأخير" دعونا نسترجع ذلك الحدث العظيم الذي تعود أحداثه إلى القدس عام ٣٣ بعد الميلاد كما ورد في الأناجيل الأربعة.

_:قصة العشاء الأخير 

أحدكم سيخونني ؛ أحدكم سيسلمني للأعدائى

أورشليم _١٤ نيسان _عام ٣٣ ب م

هنا تبدأ القصة ، إنه العشاء الأخير، أخر عشاء تناوله السيد المسيح مع حواريه (تلاميذه) الإثنى عشر في ليلة عيد الفصح و الذي أعلن فيه المسيح أن أحد تلاميذه على وشك خيانته ، تحكي القصه أنه بعد الانتهاء من العشاء قام السيد المسيح و اعلم حواريه أن من بينهم خائن قد اتفق مع الرومان و قبض الثمن ، وأنه علم مصيره ..الخبر الذي أصاب الحواريين بالمفاجأة و اختلفت ردود أفعالهم بين الحزن و الغضب و عدم التصديق ؛ تساؤلات و همسات بدأت تعم المكان ؛ ترى من الخائن ؟!..قام أحد التلاميذ يسأل المسيح إذا كان هو  ؟!..و كان رد المسيح أن من خانه قد أكل معه في نفس الصحن...ومنهم من فقد وعيه و منهم من أمسك سكين و هو يسأل المسيح من هو ذلك الخائن لينال حتفه ، ومنهم الخائن و قد بدت على وجه ملامح القلق 

كل هذه الفوضى و لم يفقد المسيح هدوءه ؛ فهو يعي جيدا لمصيره، أراد فقط أن يخبرهم ما عليهم فعله ، أراد أن يعطيهم خلاصة تعاليمه....قام السيد المسيح وامسك بالخبز و كسره ثم قسمه على حواريه ، وقال لهم هذا جسدي الذي سأضحي به من اجلكم ، وطلب منهم أن يصنعوا ذلك في كل عام و يتذكرونه . و من هنا اتت عادة التناول المقدس في الشريعة المسيحية

-:لوحة العشاء الأخير | ليوناردو دافنشي

و من القدس إلى منبع عصر النهضة _ايطاليا_ القرن الخامس عشر ..بالتحديد مدينة ميلانو عام ١٤٩٥

تبدأ قصة لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي عندما أراد دوق مدينة ميلانو في ذلك الوقت لوديفيكو سفينوزا بناء كنيسة جديدة في ميلان تدعى سانت ماريا ديلا غراسيا 

لم يكن ليوناردو من ميلانو في الأصل بل من قرية صغيرة تدعى فينشي في مدينة فلورنسا الإيطالية ، وقد انتقل إلى ميلانو للعمل في البلاط الملكي ؛ ليس كفنان بل كمهندس عسكري ؛ و في الحقيقة لم يكن الحظ حليف لدافنشي فقد لاقت اغلب مشاريعه الفشل قبل حتى ان يتممها ؛ حتى ذلك التمثال الذي أراده الدوق سفينوزا لنفسه و هو يمتطي حصان ؛ لم يتبقى منه سوى دراسات و رسومات تحضيرية .....لذلك عندما طلب من دافنشي رسم لوحة العشاء الأخير على جدران قاعة الطعام في كنيسة سانت ماريا غراسيا ؛ أراد دافنشي ان يذهلهم بتلك اللوحة الجدارية


إذا وقفت أمام لوحة و قيل لك إنها من عمل دافنشي ؛ فيجب أن تنظر مرتين 
لوحة العشاء الأخير | ليوناردو دافنشي | تحمل اسامي الحواريين
 
  كان اغلب الفنانين الذين جسدوا العشاء الأخير يختاروا دائما لحظة كسر السيد المسيح للخبز لما في تلك اللحظة من قداسية  ، لكن دافنشي أراد من القصة مشهد أقوى ..أراد المزيد من التشويق و الحبكة الدرامية ؛ الأمر الذي جعله يقرأ الأناجيل الأربعة بتمعن شديد و كمخرج درامي بارع وقع اختياره على اللحظة التي يعلن فيها المسيح لحواريه ان من بينهم خائن ...ينفجر الخبر من الوسط حيث يجلس المسيح ليصيب الإثنى عشر رجل من حوله باختلاف ردود أفعالهم كل على حسب شخصيته ؛ فنرى في هذه الصورة فيليب بشير إلى نفسه في تساؤل إذا كان هو ذلك الخائن
فيليب احد حواري السيد المسيح| لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي
كما نرى توماس و قد بدت على وجه ملامح الغضب يشير بإصبعه إلى الأعلى إذا كانت هذه هي خطة الله ؟!..و يوحنا أصغر الحواريين سنا و قد فقد وعيه ، وقد رسمه دافنشي بملامح أنثوية بعض الشيء كعادة الرسامين الإيطالين في ذلك الوقت.. 
بطرس احد حواري السيد المسيح يمسك سكين |لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي

و ها هو بطرس يمسك سكين في يده بغضب شديد يسأل السيد المسيح من هو ذلك الخائن حتى يقتله ، و قد عرفنا من خلال الأحداث انه استخدم ذلك السكين في قطع أذن الحارس الروماني الذي أراد  القبض على يسوع




ولا يمكننا اعتبار لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي مجرد لوحة جدارية تجسد مشهد جامد بل أكثر من ذلك ؛ فا بالنظر إليها يمكنك أن ترى سلسلة من الأحداث المتتالية ، يمكنك رؤية ما حدث قبل و بعد لحظة الاعلان ، يمكنك حتى رؤية ملامح الحواريين و هي تتجسد و تتغير بل حتى سماع همساتهم و صيحاتهم و تلك الفوضى التي عمت المكان عندما علموا أن من بينهم خائن 
وربما إذا أخذت نظرة عن قرب للوحة و دققت أكثر لترى و تكتشف بنفسك من هو ذلك الخائن
لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي | الخائن يهوذا
لم يتخلى دافنشي كليا عن حدث كسر الخبز في لوحته ؛ فنرى ان السيد المسيح يشير بيده إلى الخبز في قوله " كلوا هذا الخبز" و لكنه أيضا يشير باليد الأخرى إلى صحن موجود على المائدة ...و يمكنك الأن ان ترى مشهد متحرك امامك ليهوذا الخائن و هو يتراجع للخلف عندما سمع المسيح يقول لفيليب ان الخائن قد اكل معه في نفس الصحن ...إذا يهوذا هو ذلك الخائن
و نجد أن يهوذا يقبض يده الأخرى على كيس  و هي غالبا تحتوي على ثلاثين قطعة من الفضة الثمن الذي حصل عليه نظير خيانته للمسيح

_:فنانين رسموا العشاء الأخير غير دافنشي


domenico ghirlandaio last supperلوحة العشاء الاخير اندريه ديل كاستانجو
لوحة العشاء الأخير _ أندريه ديل كاستانجو _١٤٤٥م

في لوحات جسدت العشاء الأخير مثل دومنيكو غرلاندايو عام ١٤٨٦ و أندريه ديل كاستانجو عام ١٤٤٥ ؛ نراهم في الاغلب قد أجلسوا يهوذا منفردا في الجهة المقابلة لباقي الحواريين ، و هذا بالفعل عكس ما فعله دافنشي الذي أجلسهم جميعا على نفس المائدة في جهة مقابلة للناظر
كما تخلى دافنشي عن تلك الهالة التي دائما ما تكون ملازمة للمسيح و القديسين حول رؤوسهم و التي ترمز للخلود
و قد فسر بعض النقاد ذلك بأن الضوء القادم من النافذة خلف رأس المسيح يؤدي دور الهالة فلا داعي لوضعها ؛ ولكن يذهب الظن الأكبر ان دافنشي كان متعمد تجاهل وضع الهالة في إشارة ان المسيح بشر و ليس إله ، وكأنه أراد أن يرسل لنا رسالة بأن ثلاث عشر رجل كانوا على المائدة و هم بشر عاديين..و قد عرف ذلك بما يدعى شفرة دافنشي ؛ والتي تفترض أن دافنشي كان فرد من أفراد جماعة سرية تتبع عقيدة مخالفة للعقيدة المسيحية الكاثوليكية ، وأنه قد أشار إلى ذلك في اغلب لوحاته
كما استخدم دافنشي في لوحته لغة الإشارة التي يستخدمها العامة في الحياة اليومية ، والتي تعكس للناظر قوة الحركة على عكس النماذج التي سبقته حيث صوروا الحواريين و قد جلسوا في هدوء شديد و في حركة محدودة...فقد رسم دافنشي أكثر من ١٣ رسمة تحضيرية لإثنى عشر رجل بالحجم الطبيعي ، كان قد اختارهم بنفسه ليؤدوا دور الحواريين كما تخيلهم..و قد استعان تلامذة دافنشي بهذه الرسومات التحضيرية في رسم عدة نسخ من لوحة العشاء الأخير مماثلة للوحة دافنشي
دراسة وجه يهوذا |لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي
دراسة وجه يهوذا من لوحة العشاء الأخير _ ليوناردو دافنشي 

دراسة وجه المسيح | لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي
دراسة وجه المسيح _لوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي 

الدراسات و الرسومات التحضيرية للوحة العشاء الأخير ليوناردو دافنشي
دراسة لأوضاع الحواريين_ ليوناردو دافنشي 

_ :دافنشي يغامر بتحفته العشاء الأخير 

_ :اللوحة المعذبة في الأرض

ربما يكون قد تشكلت لديك رغبة شديدة في الذهاب إلى ميلانو لرؤية واحدة من أهم أعمال الرسام العالمي ليوناردو دافنشي إن لم تكن الاعظم على الإطلاق..لكن كمثل كل القصص هناك دائما فصل حزين. .. فا للأسف بعد عقود قليلة من رسم دافنشي للوحة ؛ بدأت اللوحة في الاختفاء و التلف ، وفقدت اغلى ما تحمله ؛ ملامح الحواريين و ردود أفعالهم التي تروي لنا القصة

و لم يتبقى منها سوى ٢٠ % فقط يمكن للناظر تميزهم...ولكن من السبب وراء ذلك؟!..في الواقع واجهت لوحة العشاء الأخير لليوناردو دافنشي العديد من الظروف و الكوارث أدت إلى سرعة تلفها فهي اللوحة المعذبة في الأرض؛ و كان دافنشي نفسه اول جاني في تاريخ اللوحة

عادة كانت اللوحات الجدارية ترسم بتقنية تدعى الفريسكو ؛ و هي باختصار فن الرسم على الجبس الطري ؛ والذي يعطي صلابة للوحة بفضل تشربه للألوان . وكان يجب على الفنان الإنتهاء من اللوحة في وقت سريع قبل أن يجف الجبس (ست ، سبع ساعات ) و كان من المعروف عن دافنشي تقطعه في العمل و العمل ببطئ ، فقد أخذت منه لوحة كالعشاء الأخير ٣ سنوات متكاملة ؛ كما أنه أراد حرية اكبر في تنوع الالوان ، لذلك لجأ إلى التلوين مباشرة على الحائط ، بالإضافة إلى استخدامة لألوان التمبرا وهي تقنية قديمة ...كل هذه التجارب  كانت نتيجتها سرعة شديدة في التلف ؛ حيث تمت اول عملية ترميم للوحة بعد ٢٠ عام فقط من الانتهاء منها.

كما أنه عند زيارتك للوحة يمكنك أن تلاحظ بوضوح أن هناك جزء مفقود من اللوحة وهو الجزء حيث يضع المسيح قدمه ؛ وذلك عندما قرر الدير تجديد كنيسة سانت ماريا ديلا غارسيا و إضافة باب القاعة الطعام ، و قد وقع الاختيار على منتصف الجدار الذي يحمل اللوحة 

و لم تسلم اللوحة المسكينة حتى من جيوش نابليون بونابرت حيث أقام جنوده في الدير و بالطبع كانوا يستخدمون قاعة الطعام باستمرار مما أدى لزيادة التلف بسبب عامل الرطوبة من المطبخ المجاور للقاعة....و إضافة إلى ذلك فيضان تعرضت له الكنيسة في القرن التاسع عشر و قنبلة اصابت قاعة الطعام عام ١٩٤٣

ألم أقل لكم لوحة معذبة في الأرض؟

أما عن آخر و اكبر عملية ترميم شامل للوحة فقد استمرت قرابة ٢٠ عاما من ١٩٧٧م : ١٩٩٩م 

١٢.٠٠٠ ساعة من العمل على البناء و ٣٨.٠٠٠ ساعة من العمل على اللوحة نفسها ؛ و كانت النتيجة ما يمكننا رؤيته من اللوحة اليوم ؛ و التي تتضمن ٤٢.٥% فقط ما تبقى من صنيع يد دافنشي 

١٧،٥ % ما فقد من اللوحة و  ال٤٠ % المتبقية هي من إضافات المرممين 


هل اعجبك الموضوع :

تعليقات